النويري

252

نهاية الأرب في فنون الأدب

الملَّك وملكوه ، فجاءهم التاجر الذي باعوه منه ، فقال : إما أن تعطونى مالي ، وإما أن أكلمه : في ذلك ، قالوا : لا نعطيك شيئا ، قال : فإذا واللَّه أكلمه ، قالوا : فدونك . فجاء فجلس بين يديه ، فقال : أيها الملك ، ابتعت غلاما من قوم في السوق بستمائة درهم ، فأسلموا إلىّ غلامي ، وأخذوا دراهمى ، حتى إذا سرت بغلامى ؛ أدركوني فأخذوه منّى ، ومنعوني دراهمى ، فقال لهم النجاشىّ : لتعطنّه دراهمه أو ليضعن غلامه يده في يده ؛ فليذهبن به حيث شاء ، قالوا : بل نعطيه دراهمه . قالت : فلذلك يقول : « ما أخذ اللَّه منّى الرشوة حين ردّ على ملكي ، فآخذ الرشوة فيه ، وما أطاع الناس فىّ فأطيع الناس فيه » . قال : وكان ذلك أول ما خبر من صلابته في دينه ، وعدله في حكمه . قال ابن إسحاق ، وحدثني جعفر بن محمد عن أبيه ، قال : اجتمعت الحبشة فقالوا للنجاشىّ : إنك فارقت ديننا ، وخرجوا عليه . فأرسل إلى جعفر وأصحابه فهيأ لهم سفنا ، وقال : اركبوا فيها وكونوا كما أنتم ، فإن هزمت فامضوا حتى تلحقوا بحيث شئتم ، وإن ظفرت فاثبتوا . ثم عمد إلى كتاب فكتب فيه : هو يشهد أن لا إله إلا اللَّه ، وأنّ محمدا عبده ورسوله ، ويشهد أن عيسى عبده ورسوله ، وكلمته ألقاها إلى مريم ، ثم جعلها « 1 » في قبائه عند المنكب الأيمن « 2 » ، وخرج إلى الحبشة وصفّوا له ، فقال : يا معشر الحبشة ، ألست أحقّ الناس بكم ؟ قالوا : بلى ؛ قال : فكيف رأيتم سيرتى فيكم ؟ قالوا : خير سيرة ، قال : فما بالكم ؟ قالوا : فارقت ديننا ، وزعمت أنّ عيسى عبد ، قال : فما تقولون أنتم في عيسى ؟ قالوا : نقول : هو ابن اللَّه فقال النجاشىّ ووضع يده على صدره على قبائه : هو يشهد أن عيسى بن مريم ، لم يزد على هذا شيئا ، وإنما يعنى ما كتب ، فرضوا وانصرفوا ، فبلغ ذلك النبي

--> « 1 » كذا في الأصل . والذي في ابن هشام « جعله » وهو أظهر . « 2 » في الأصل : « اللاتي » ، وهو تحريف ؛ والتصويب عن ابن هشام .